اسقاط الحضانة في القانون المغربي


إسقاط الحضانة في القانون المغربي

دراسة قانونية في ضوء مدونة الأسرة والعمل القضائي

                                        الأستاذ رشيد صديقي محام بهيئة المحامين بمراكش

    إن المشرّع المغربي أولى عناية خاصة للطفل باعتباره لبنة أساسية في بناء المجتمع، وهو ما تجلى بوضوح في مدونة الأسرة الصادرة سنة 2004، التي كرّست مبادئ حديثة تقوم على حماية حقوق الطفل وتحقيق مصلحته الفضلى وتُعد الحضانة من أبرز الآليات القانونية التي تهدف إلى ضمان رعاية الطفل والقيام بشؤونه في مرحلة يكون فيها عاجزًا عن تدبير مصالحه بنفسه.

وقد ساهم العمل القضائي المغربي، ولا سيما اجتهاد محكمة النقض، في توضيح حالات إسقاط الحضانة وضبط معاييرها، من خلال تكريس مبدأ مصلحة المحضون باعتباره الأساس المرجعي لكل قرار قضائي في هذا المجال(¹).

 غير أن الحضانة، رغم طابعها الحمائي، قد تتحول إلى مصدر ضرر للمحضون إذا أُسيء استعمالها أو اختلّت شروطها، الأمر الذي يبرر تدخل القضاء لإسقاطها حمايةً للطفل. وتكمن إشكالية هذا البحث في محاولة الإجابة عن السؤال التالي: ما هي حالات إسقاط الحضانة في القانون المغربي، وما مدى انسجامها مع مبدأ مصلحة المحضون؟

أولا: الإطار المفاهيمي والقانوني للحضانة

  عرفت المادة 163 من مدونة الأسرة الحضانة بأنها «حفظ الولد مما قد يضره…»، وهو تعريف يبرز البعد الوقائي للحضانة وقد أكد القضاء المغربي هذا التوجه، حيث اعتبرت محكمة النقض أن الحضانة ليست امتيازًا شخصيًا للحاضن، وإنما وسيلة قانونية لحماية الطفل وتحقيق مصلحته الفضلى (²).

 نصت المادة 173 من مدونة الأسرة على شروط الحضانة، ويُلاحظ أن القضاء المغربي لا يكتفي بتوافر هذه الشروط شكليًا، بل يبحث في مدى تحققها الواقعي.
وفي هذا الإطار قضت محكمة النقض بأن تقدير توفر شروط الحضانة يخضع لسلطة قاضي الموضوع، شريطة أن يكون تعليله مرتكزًا على عناصر واقعية ثابتة (³).

ثانيا: أسباب إسقاط الحضانة في القانون المغربي

  تنص المادة 175 من مدونة الأسرة على أن اختلال أحد شروط الحضانة يؤدي إلى إسقاطها. وقد فسّر القضاء المغربي هذا المقتضى تفسيرًا مرنًا، حيث اشترط قيام الضرر الفعلي.

فقد جاء في قرار لمحكمة النقض أن:

“إسقاط الحضانة لا يُبنى على مجرد الادعاء، وإنما على ثبوت ما يضر بمصلحة المحضون ضررًا محققًا (⁴).”

ومن التطبيقات القضائية البارزة:

  • إسقاط الحضانة بسبب الإهمال التربوي الثابت بتقارير اجتماعية(⁵).
  • إسقاطها بسبب تعريض الطفل للعنف أو سوء المعاملة(⁶).

 استقر الاجتهاد القضائي المغربي على أن زواج الحاضنة لا يؤدي تلقائيًا إلى إسقاط الحضانة، ما لم يثبت الضرر.
وقد أكدت محكمة النقض هذا المبدأ بقولها:

“زواج الأم الحاضنة لا يشكل سببًا كافيًا لإسقاط الحضانة، ما لم يثبت أن هذا الزواج يضر بمصلحة المحضون”(⁷).

ويُعد هذا التوجه تكريسًا واضحًا لروح مدونة الأسرة التي جعلت مصلحة المحضون فوق كل اعتبار.

ثالثا: آثار إسقاط الحضانة والسلطة التقديرية للقضاء

 يترتب على إسقاط الحضانة انتقالها إلى من يليه قانونًا وفق المادة 171، وهو ما أكدته محكمة النقض حين اعتبرت أن “ترتيب مستحقي الحضانة لا يُفعل إلا بعد ثبوت موجب الإسقاط قانونًا”(⁸).

 كما أكدت المحكمة أن إسقاط الحضانة لا يمس بحقوق الطفل الأخرى، وعلى رأسها النفقة(⁹).

 منح المشرّع لقاضي الأسرة سلطة تقديرية واسعة، وقد دعمت محكمة النقض هذا التوجه بقولها:

“لقاضي الموضوع سلطة تقدير مدى تحقق مصلحة المحضون، وله أن يستعين بالخبرة والبحث الاجتماعي دون رقابة عليه من محكمة النقض متى كان تعليله سليمًا”(¹⁰).

ويبرز من خلال هذا الاجتهاد أن القضاء المغربي يتجه نحو قضاء حمائي للطفل أكثر منه قضاءً شكليًا.

الهوامش :

  1. قرار محكمة النقض، غرفة الأحوال الشخصية، عدد 355 بتاريخ 17/06/2014.
  2. قرار محكمة النقض عدد 89 بتاريخ 12/02/2013.
  3. قرار محكمة النقض عدد 421 بتاريخ 09/07/2015.
  4. قرار محكمة النقض عدد 233 بتاريخ 20/04/2016.
  5. حكم المحكمة الابتدائية بالدار البيضاء، ملف أسرة عدد 214/2017.
  6. قرار محكمة الاستئناف بالرباط عدد 118 بتاريخ 03/03/2018.
  7. قرار محكمة النقض عدد 512 بتاريخ 14/09/2017.
  8. قرار محكمة النقض عدد 61 بتاريخ 29/01/2019.
  9. قرار محكمة النقض عدد 402 بتاريخ 11/07/2018.
  10. قرار محكمة النقض عدد 177 بتاريخ 05/04/2020.