جريمة التحريض على الدعارة في القانون الجنائي المغربي


جريمة التحريض على الدعارة في القانون الجنائي المغربي

                            الأستاذ رشيد صديقي محام بهيئة المحامين بمراكش

   يُولي القانون الجنائي المغربي أهمية خاصة لحماية الأخلاق العامة باعتبارها أحد مكونات النظام العام، ويظهر ذلك جليًا من خلال تجريم الأفعال المرتبطة بالدعارة والفساد ومن بين هذه الأفعال، تبرز جريمة التحريض على الدعارة بوصفها سلوكًا غير مباشر، قد لا يتجسد في ممارسة فعل الدعارة ذاته، لكنه يُسهم في نشره وتكريسه داخل المجتمع.

  وتكمن خطورة هذه الجريمة في كونها تُعد مدخلًا أساسيًا لانتشار ظاهرة الدعارة، لما ينطوي عليه التحريض من استغلال لحاجة الأشخاص أو ضعفهم. ومن هنا، يثور التساؤل حول مدى نجاعة النصوص الجنائية في ضبط هذا السلوك، وحدود التجريم، والإشكالات التي يطرحها التطبيق القضائي.

أولًا: الإطار المفاهيمي والقانوني لجريمة التحريض على الدعارة

1 مفهوم التحريض على الدعارة

  يُقصد بالتحريض على الدعارة كل سلوك يرمي إلى دفع شخص، ذكرًا كان أو أنثى، إلى ممارسة الفساد أو الاستمرار فيه، سواء تم ذلك بالوعد أو التهديد أو الإغراء أو أي وسيلة أخرى. ويتميز التحريض بكونه فعلًا مستقلًا عن الفعل الأصلي، إذ يكفي تحقق السلوك التحريضي ولو لم تؤدِّ الدعارة فعليًا إلى نتيجة¹.

2 الأساس القانوني للتجريم

 نظم المشرع المغربي جريمة التحريض على الدعارة ضمن الفصول 497 إلى 504 من القانون الجنائي، حيث جرم كل من حرض أو سهل أو ساعد على ممارسة البغاء أو الفساد، ولو تم ذلك بصفة عرضية أو غير معتادة². ويستفاد من هذه النصوص أن المشرع اعتمد مفهومًا واسعًا للتحريض، يشمل مختلف صور التدخل غير المباشر.

ثانيًا: أركان جريمة التحريض على الدعارة

1 الركن القانوني

  يتمثل الركن القانوني في وجود نص صريح يجرم التحريض على الدعارة، وهو ما يتجسد في الفصول المشار إليها من القانون الجنائي المغربي. ويُعد هذا الركن متحققًا متى انصب الفعل على إحدى الصور التي حددها المشرع.

2 الركن المادي

يتخذ الركن المادي صورًا متعددة، من أبرزها:

  • إغراء الغير بممارسة الدعارة مقابل منفعة مادية أو معنوية؛
  • تسهيل الاتصال بين المشتغلين بالدعارة والغير؛
  • توفير مكان أو وسيلة تساعد على ممارسة الفساد³.

ولا يشترط المشرع تحقق نتيجة معينة، إذ يكفي قيام الفعل التحريضي ذاته لقيام الجريمة.

3 الركن المعنوي

تُعد جريمة التحريض على الدعارة من الجرائم العمدية، ويتطلب قيامها توافر القصد الجنائي العام، المتمثل في علم الجاني بطبيعة الفعل المحرض عليه، واتجاه إرادته إلى دفع الغير لممارسة الفساد أو الاستمرار فيه⁴.

ثالثًا: موقف القضاء المغربي من جريمة التحريض على الدعارة

  استقر الاجتهاد القضائي المغربي على تبني تفسير واسع لمفهوم التحريض، مراعيًا في ذلك الغاية الوقائية للنص الجنائي. فقد اعتبرت محكمة النقض أن مجرد تسهيل الاتصال أو تهيئة الظروف المناسبة لممارسة الدعارة يُعد تحريضًا معاقبًا عليه، ولو لم يثبت الاعتياد أو الاحتراف⁵.

  غير أن القضاء يشدد في المقابل على ضرورة قيام وسائل إثبات جدية، وعدم الاكتفاء بالقرائن الضعيفة، نظرًا لما تمس به هذه الجريمة من سمعة الأشخاص وحرياتهم الفردية.

رابعًا: الإشكالات العملية المرتبطة بإثبات الجريمة

تطرح جريمة التحريض على الدعارة عدة إشكالات عملية، من أبرزها:

  • صعوبة التمييز بين التحريض والمساعدة العرضية؛
  • اعتماد وسائل إثبات غير مباشرة؛
  • خطر التوسع المفرط في التجريم على حساب قرينة البراءة.

وقد حاول القضاء المغربي التخفيف من هذه الإشكالات عبر إخضاع الوقائع لرقابة دقيقة، وربط الإدانة بثبوت القصد الجنائي بشكل واضح.

   يتبين من خلال هذه الدراسة أن المشرع المغربي قد أحاط جريمة التحريض على الدعارة بإطار قانوني صارم، يهدف إلى حماية الأخلاق العامة والحد من انتشار الفساد. غير أن فعالية هذه النصوص تظل رهينة بحسن التطبيق القضائي، والتوازن بين متطلبات الردع وحماية الحقوق والحريات الفردية. وهو ما يستدعي تعزيز التكوين القضائي وتطوير آليات الإثبات بما يحقق الأمن القانوني والعدالة الجنائية.

=======================================================

 

قائمة المراجع:

  1. أحمد الخمليشي، شرح القانون الجنائي الخاص المغربي، الجزء الثاني، دار القلم.
  2. القانون الجنائي المغربي، الفصول 497–504.
  3. عبد الواحد العلمي، الشرح العملي للقانون الجنائي المغربي، مطبعة الأمنية.
  4. محمد الكشبور، القصد الجنائي في التشريع المغربي، دار النشر المغربية.
  5. قرارات محكمة النقض المغربية، الغرفة الجنائية، قضايا الفساد والدعارة.