
كفالة الأطفال المهملين: الإطار القانوني والبعد الاجتماعي في التشريع المغربي
الأستاذ رشيد صديقي محام بهيئة المحامين بمراكش
تحتل حماية الطفولة مكانة مركزية في التشريعات الوطنية والمواثيق الدولية، باعتبار الطفل نواة المجتمع ومستقبله. ويُعدّ الأطفال المهملون من أكثر الفئات حاجةً إلى الحماية القانونية والاجتماعية، نظراً لما يعانونه من حرمان أسري واجتماعي وإدراكاً من المشرّع المغربي لهذه الوضعية، تم إقرار نظام كفالة الأطفال المهملين كآلية بديلة عن التبني، تنسجم مع أحكام الشريعة الإسلامية وتراعي الخصوصية المجتمعية.
وتكمن أهمية هذا الموضوع في كونه يجمع بين البعد القانوني والإنساني، مما يثير إشكالية أساسية مفادها: إلى أي حد يوفّق نظام كفالة الأطفال المهملين في التشريع المغربي بين حماية مصلحة الطفل واحترام الضوابط الشرعية والقانونية؟
ولمعالجة هذه الإشكالية، سيتم اعتماد المنهج التحليلي الوصفي من خلال دراسة النصوص القانونية والاجتهادات الفقهية والقضائية ذات الصلة.
أولاً: الإطار المفاهيمي والقانوني لكفالة الأطفال المهملين
1-مفهوم الطفل المهمل ونظام الكفالة
يُقصد بالطفل المهمل كل طفل لم يبلغ سن الرشد وتوجد حالته ضمن إحدى صور الإهمال، كأن يكون مجهول الأبوين، أو متخلى عنه، أو يتيماً دون عائل قادر على رعايته.
أما الكفالة، فهي التزام قانوني وإنساني يتعهد بمقتضاه شخص أو أسرة برعاية طفل مهمل والقيام بشؤونه المعيشية والتربوية، دون أن يترتب عن ذلك أي أثر من آثار النسب أو الإرث، تمييزاً لها عن نظام التبني المحظور شرعاً¹.
2-الأساس القانوني لكفالة الأطفال المهملين
يستمد نظام كفالة الأطفال المهملين أساسه من القانون رقم 15.01 المتعلق بكفالة الأطفال المهملين، الذي حدّد شروط الكفالة وإجراءاتها وآثارها. كما تتقاطع مقتضيات هذا القانون مع مبادئ مدونة الأسرة، لاسيما ما يتعلق بحماية مصلحة الطفل، إضافة إلى انسجامه مع الاتفاقيات الدولية، وعلى رأسها اتفاقية حقوق الطفل².
ثانياً: شروط وآثار كفالة الأطفال المهملين
1– شروط الكفالة وإجراءاتها
اشترط المشرّع المغربي مجموعة من الشروط في طالب الكفالة، من بينها الأهلية القانونية، والاستقامة الأخلاقية، والقدرة المادية، وضمان مصلحة الطفل كما تخضع الكفالة لمراقبة قضائية، حيث يتم إسنادها بموجب حكم قضائي صادر عن المحكمة المختصة، بعد إجراء بحث اجتماعي للتأكد من ملاءمة الكافل³.
2-الآثار القانونية والاجتماعية للكفالة
تترتب عن الكفالة مجموعة من الآثار، أبرزها التزام الكافل بالنفقة والرعاية الصحية والتعليمية للطفل المكفول غير أن الكفالة لا تنشئ رابطة نسب، ولا يترتب عنها حق الإرث، ما لم يتم اللجوء إلى الوصية أو الهبة في الحدود التي يجيزها القانون.
وعلى المستوى الاجتماعي، تساهم الكفالة في إدماج الطفل المهمل داخل أسرة، وتوفر له الاستقرار النفسي والاجتماعي، مما يعزز فرص تنشئته السليمة⁴.
ثالثاً: إشكالات التطبيق وآفاق التطوير
1– الإشكالات العملية
رغم الإطار القانوني المنظم، يطرح نظام الكفالة عدة إشكالات، من قبيل تعقيد المساطر الإدارية والقضائية، وضعف المواكبة الاجتماعية بعد إسناد الكفالة، إضافة إلى بعض الإشكالات المرتبطة بسفر الأطفال المكفولين إلى الخارج.
2- آفاق التطوير
تقتضي فعالية نظام الكفالة تبسيط مساطره، وتعزيز دور المؤسسات الاجتماعية في تتبع أوضاع الأطفال المكفولين، إلى جانب توحيد الاجتهاد القضائي بما يحقق المصلحة الفضلى للطفل، ويعزز الثقة في هذا النظام كآلية للحماية الاجتماعية.
يُبرز نظام كفالة الأطفال المهملين في التشريع المغربي نموذجاً متميزاً للتوفيق بين المرجعية الشرعية ومتطلبات الحماية القانونية الحديثة. ورغم ما يعتريه من صعوبات على مستوى التطبيق، فإنه يظل آلية أساسية لضمان حق الطفل المهمل في الرعاية والعيش الكريم ومن ثم، فإن تطوير هذا النظام يقتضي مقاربة شمولية تشريعية ومؤسساتية تضع مصلحة الطفل في صدارة الأولويات.
لائحة المراجع
- القانون رقم 15.01 المتعلق بكفالة الأطفال المهملين.
- مدونة الأسرة المغربية.
- عبد الكريم الطالب، الشرح العملي لمدونة الأسرة، دار النشر المغربية.
- أحمد الخمليشي، الأسرة في ضوء التشريع المغربي، مطبعة المعارف الجديدة.
- اتفاقية حقوق الطفل، 1989.