السفر بالمحضون إلى الخارج بين سلطة الحاضن ورقابة القضاء


السفر بالمحضون إلى الخارج بين سلطة الحاضن ورقابة القضاء

                                    الأستاذ رشيد صديقي محام بهيئة المحامين بمراكش

    تشكل الحضانة إحدى الركائز الأساسية في قانون الأسرة، إذ تتعلق بحماية الطفل ورعايته في سنواته الأولى، وتقوم في جوهرها على مبدأ تحقيق مصلحة المحضون قبل أي اعتبار آخر. غير أن ممارسة الحضانة قد تثير إشكالات قانونية دقيقة عندما يتجه الحاضن إلى السفر بالمحضون خارج إقليم الدولة، سواء كان ذلك بقصد مؤقت أو بنية الاستقرار الدائم.

  ويُثير هذا السفر مخاوف مشروعة لدى الطرف غير الحاضن، خاصة عندما يؤدي إلى تعذر ممارسة حق الزيارة أو الإشراف، أو عندما يُخشى من تهريب الطفل أو إخراجه من نطاق الحماية القضائية الوطنية. ومن هنا، برز دور القضاء في ضبط هذه المسألة من خلال الموازنة بين الحقوق المتعارضة، والاحتكام إلى مبدأ مصلحة الطفل الفضلى بوصفه معيارًا حاسمًا.

أولًا: الإطار المفاهيمي والقانوني للحضانة والسفر بالمحضون

  1. 1-مفهوم الحضانة وطبيعتها القانونية

  الحضانة هي ولاية تربية ورعاية تُمنح لمن تتوافر فيه الأهلية القانونية والقدرة الواقعية على تربية الطفل وحفظه والقيام بشؤونه اليومية. وقد استقر الفقه على أن الحضانة ليست حقًا خالصًا للحاضن، وإنما هي واجب وحق في آن واحد، غايته الأساسية حماية مصلحة المحضون¹.

2-مفهوم السفر بالمحضون

  يُقصد بالسفر بالمحضون انتقاله خارج الدولة التي يقيم فيها عادة، سواء لفترة مؤقتة أو طويلة. ويُميز الفقه بين:

  • السفر المؤقت (للعلاج، الدراسة، الزيارة).
  • السفر الدائم أو طويل الأمد الذي يترتب عليه تغيير موطن المحضون.

ويترتب على هذا التمييز اختلاف في الآثار القانونية ومدى اشتراط موافقة الولي أو إذن القضاء².

ثانيًا: التعارض بين سلطة الحاضن وحقوق الولي

1 سلطة الحاضن في التنقل

  يستند الحاضن في طلب السفر إلى حقه الدستوري في حرية التنقل واختيار محل الإقامة. غير أن هذا الحق لا يُمارس على نحو مطلق، بل يُقيد عندما يتعلق الأمر بمحضون يخضع لحماية قانونية خاصة³.

2 حقوق الولي في الإشراف والمتابعة

  يتمتع الولي بحقوق جوهرية تتعلق بالإشراف على شؤون المحضون التعليمية والصحية والاجتماعية، إضافة إلى حق الزيارة. وقد اعتبر القضاء أن السفر بالمحضون دون موافقة الولي، متى كان من شأنه تعطيل هذه الحقوق، يُعد مساسًا غير مشروع بها⁴.

ثالثًا: مبدأ مصلحة الطفل الفضلى كمعيار حاسم

1-الأساس القانوني للمبدأ

 كرّست اتفاقية حقوق الطفل لسنة 1989 مبدأ مصلحة الطفل الفضلى، حيث نصت المادة (3) منها على وجوب مراعاة هذه المصلحة في جميع الإجراءات المتعلقة بالأطفال⁵.

كما تبنته التشريعات الوطنية والاجتهادات القضائية الحديثة.

2 معايير تقدير مصلحة المحضون

يعتمد القاضي في تقدير مصلحة الطفل على جملة من العناصر، من أبرزها:

  • سنّ المحضون ومدى ارتباطه بالحاضن.
  • استقرار المحضون النفسي والتعليمي.
  • جدية أسباب السفر.
  • إمكانية استمرار علاقة المحضون بالطرف غير المسافر.
  • تقديم ضمانات كافية للعودة أو لتنفيذ أحكام الزيارة⁶.

رابعًا: دور القضاء في الإذن بالسفر أو منعه

  يتمتع القاضي الأسري بسلطة تقديرية واسعة في الفصل في طلبات السفر بالمحضون، ويملك:

  • الإذن بالسفر دون قيد.
  • الإذن المشروط (تحديد المدة، اشتراط ضمانات).
  • رفض الإذن إذا ثبت تعارض السفر مع مصلحة المحضون.

وقد استقر القضاء المقارن على أن الإذن بالسفر ليس حقًا مكتسبًا للحاضن، بل يخضع لرقابة صارمة متى وُجد خطر حقيقي على حقوق الولي أو على استقرار الطفل⁷.

خامسًا: السفر بالمحضون في ضوء الاتفاقيات الدولية

1-اتفاقية لاهاي لسنة 1980

  تُعد اتفاقية لاهاي بشأن الجوانب المدنية للاختطاف الدولي للأطفال من أهم الأدوات الدولية التي تهدف إلى مكافحة النقل غير المشروع للأطفال عبر الحدود، وضمان إعادتهم الفورية إلى محل إقامتهم المعتاد⁸.

2 أثر الاتفاقيات على القضاء الوطني

  أسهمت هذه الاتفاقيات في تعزيز التعاون القضائي الدولي، والحد من استغلال الحضانة كوسيلة للضغط أو الانتقام بين الأبوين، كما فرضت على القاضي الوطني مراعاة البعد الدولي للنزاع عند الفصل فيه⁹.

    يتضح من خلال هذه الدراسة أن مسألة السفر بالمحضون إلى الخارج تُعد من أكثر قضايا الحضانة تعقيدًا، لما تنطوي عليه من تداخل بين الحقوق الفردية والاعتبارات الإنسانية والالتزامات الدولية. وقد أثبتت التجربة أن الحل الأمثل لا يكمن في إطلاق حرية السفر أو تقييدها على نحو مطلق، وإنما في إخضاعها لرقابة قضائية فعالة تقوم على معيار مصلحة الطفل الفضلى، بما يحقق التوازن بين حقوق الحاضن والولي ويضمن حماية المحضون واستقراره.

=======================================================

قائمة المراجع:

  1. عبد الرزاق السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني، دار إحياء التراث العربي.
  2. محمد أبو زهرة، الأحوال الشخصية، دار الفكر العربي.
  3. مصطفى السباعي، شرح قانون الأحوال الشخصية، دار الوراق.
  4. أحكام محكمة النقض المصرية، الطعن رقم 627 لسنة 65 قضائية.
  5. اتفاقية حقوق الطفل، الأمم المتحدة، 1989.
  6. عبد الكريم الطالب، الشرح العملي لقانون الأسرة، مطبعة النجاح الجديدة.
  7. اجتهادات محكمة التمييز الأردنية في قضايا الحضانة.
  8. Hague Convention on the Civil Aspects of International Child Abduction, 1980.
  9. نادية فتوحي، “مبدأ مصلحة الطفل الفضلى في القضاء الأسري”، مجلة العلوم القانونية.