
جريمة الضرب والجرح في القانون الجنائي المغربي
الاستاذ رشيد صديقي محام بهيئة المحامين بمراكش
تحظى السلامة الجسدية للأفراد بحماية خاصة في التشريعات الجنائية، باعتبارها من الحقوق الأساسية المرتبطة بالحق في الحياة والكرامة الإنسانية. وقد أولى المشرع المغربي هذه الحماية أهمية بالغة، من خلال تجريم كل اعتداء يمس جسم الإنسان، ولو لم يبلغ حد إزهاق الروح.
وتندرج جريمة الضرب والجرح ضمن الجرائم الواقعة على الأشخاص، وتتميز بتعدد صورها وتفاوت خطورتها بحسب النتائج المترتبة عنها، وهو ما دفع المشرع إلى التفريق بين الضرب والجرح البسيط، والضرب والجرح المفضي إلى عاهة مستديمة أو موت. وتثير هذه الجريمة عدة إشكالات قانونية، خاصة على مستوى التكييف القانوني، وتحديد القصد الجنائي، وإثبات العلاقة السببية.
أولًا: الإطار المفاهيمي والقانوني لجريمة الضرب والجرح
1. مفهوم الضرب والجرح
يُقصد بالضرب كل فعل عنيف يُرتكب ضد جسم إنسان حي، باستعمال القوة المادية، سواء باليد أو بأداة، ويترتب عنه ألم جسدي ولو دون إحداث جرح ظاهر.
أما الجرح، فيتحقق كلما نتج عن الفعل تمزيق أو قطع في أنسجة الجسم، مهما كانت درجة خطورته.
ويُستفاد من هذا التمييز أن الضرب أعم من الجرح، وأن العبرة في التجريم ليست بوسيلة الاعتداء، بل بالمساس بالسلامة الجسدية¹.
2. الأساس القانوني للتجريم
نظم المشرع المغربي جريمة الضرب والجرح في الفصول 400 إلى 403 من القانون الجنائي، حيث جرم كل اعتداء بدني عمدي، ورتب عقوبات متفاوتة تبعًا لجسامة الفعل والنتيجة المترتبة عنه².
ثانيًا: أركان جريمة الضرب والجرح
1. الركن القانوني
يتحقق الركن القانوني بوجود نص يجرم فعل الضرب أو الجرح، وهو ما يتوافر في الفصول المشار إليها، والتي تحدد الأفعال المعاقب عليها والعقوبات المقررة لها.
2. الركن المادي
يقوم الركن المادي على ثلاثة عناصر:
- فعل الاعتداء: ويتمثل في كل سلوك إيجابي يمس جسم الغير؛
- النتيجة الإجرامية: وهي المساس بالسلامة الجسدية، سواء تمثلت في ألم، أو جرح، أو عجز؛
- العلاقة السببية: التي تربط بين الفعل المرتكب والنتيجة الحاصلة³.
ولا يشترط المشرع حصول عجز أو مرض إلا في الحالات المشددة.
3. الركن المعنوي
جريمة الضرب والجرح من الجرائم العمدية، ويتطلب قيامها توافر القصد الجنائي العام، أي علم الجاني بطبيعة فعله واتجاه إرادته إلى إحداث الاعتداء، دون اشتراط نية إحداث نتيجة معينة⁴.
ثالثًا: صور التشديد في جريمة الضرب والجرح
اعتمد المشرع المغربي سياسة جنائية تقوم على تشديد العقوبة كلما كانت النتيجة أشد خطورة، ومن أبرز صور التشديد:
- إذا نتج عن الضرب أو الجرح مرض أو عجز تتجاوز مدته عشرين يومًا؛
- إذا ترتبت عنه عاهة مستديمة؛
- إذا أفضى الاعتداء إلى الموت دون نية إحداثه⁵.
كما شدد المشرع العقوبة إذا ارتُكبت الجريمة باستعمال سلاح، أو ضد فئات محمية كالأصول أو الموظفين أثناء قيامهم بمهامهم.
رابعًا: موقف القضاء المغربي من جريمة الضرب والجرح
استقر الاجتهاد القضائي المغربي على أن العبرة في تكييف جريمة الضرب والجرح هي بالنتيجة الثابتة طبيًا، وليس بالوصف الذي يضفيه الأطراف على الوقائع.
وقد أكدت محكمة النقض أن ثبوت العلاقة السببية بين فعل المتهم والإصابة يشكل عنصرًا جوهريًا لقيام الجريمة، وأن الشك يفسر لفائدة المتهم، انسجامًا مع قرينة البراءة⁶.
كما يشدد القضاء على ضرورة الاعتماد على الخبرة الطبية لتحديد مدة العجز وطبيعته، لما لذلك من أثر مباشر على الوصف القانوني والعقوبة.
خامسًا: الإشكالات العملية المرتبطة بتطبيق النص
تطرح جريمة الضرب والجرح عدة إشكالات عملية، من أبرزها:
- صعوبة إثبات القصد الجنائي في بعض الحالات؛
- تضارب الشهادات؛
- الإشكال المرتبط بتحديد مدة العجز الطبي.
وقد حاول القضاء تجاوز هذه الإشكالات من خلال تعزيز دور الخبرة، وربط الإدانة بثبوت جميع أركان الجريمة بشكل يقيني.
يتضح من خلال هذه الدراسة أن المشرع المغربي قد وفر حماية جنائية فعالة للسلامة الجسدية، من خلال تنظيم دقيق لجريمة الضرب والجرح، يراعي مبدأ التناسب بين الجريمة والعقوبة. غير أن فعالية هذه الحماية تظل رهينة بحسن التطبيق القضائي، ودقة التكييف القانوني، واحترام ضمانات المحاكمة العادلة، بما يحقق التوازن بين حق المجتمع في العقاب وحقوق الأفراد وحرياتهم.
قائمة المراجع
- أحمد الخمليشي، شرح القانون الجنائي الخاص المغربي، الجزء الأول، دار القلم.
- القانون الجنائي المغربي، الفصول 400–403.
- عبد الواحد العلمي، الشرح العملي للقانون الجنائي المغربي، مطبعة الأمنية.
- محمد الكشبور، القصد الجنائي في التشريع المغربي، دار النشر المغربية.
- حسن قراقي، الجرائم الواقعة على الأشخاص، مطبعة النجاح الجديدة.
- قرارات محكمة النقض المغربية، الغرفة الجنائية.