جريمة شهادة الزور في القانون الجنائي المغربي ⚖️


جريمة شهادة الزور في القانون الجنائي المغربي ⚖️

                              الأستاذ رشيد صديقي محام بهيئة المحامين بمراكش

  تُعتبر الشهادة من أهم وسائل الإثبات في المادة الجنائية، إذ يعتمد عليها القاضي في تكوين قناعته والوصول إلى الحقيقة. غير أن هذه الأهمية قد تتحول إلى خطر حقيقي على العدالة متى أُدلي بالشهادة على خلاف الحقيقة، وهو ما يُعرف بشهادة الزور.

 وانطلاقًا من الدور المحوري الذي تضطلع به الشهادة في الفصل في النزاعات، فقد حرص المشرع المغربي على تجريم شهادة الزور حمايةً لمرفق القضاء وصونًا لحقوق الأفراد، باعتبارها جريمة لا تمس شخصًا بعينه فحسب، بل تمس المجتمع بأسره. وتثير هذه الجريمة عدة إشكالات قانونية، خاصة فيما يتعلق بتحديد عناصرها، وتمييزها عن الجرائم القريبة منها، وضوابط إثباتها.

أولًا: الإطار المفاهيمي والقانوني لشهادة الزور

1 مفهوم شهادة الزور

يقصد بشهادة الزور كل تصريح كاذب يدلي به الشاهد أمام جهة قضائية مختصة، بعد أدائه اليمين القانونية، بقصد تغيير الحقيقة أو تضليل العدالة. ويستفاد من هذا التعريف أن جوهر الجريمة يكمن في تعمد الكذب بشأن وقائع جوهرية لها تأثير في الفصل في النزاع¹.

2-الأساس القانوني للتجريم

نظم المشرع المغربي جريمة شهادة الزور في الفصول 369 إلى 372 من القانون الجنائي، حيث جرم الإدلاء بشهادة كاذبة أمام القضاء، ورتب عقوبات تختلف باختلاف طبيعة القضية التي أُدليت فيها الشهادة، سواء كانت جنائية أو مدنية².

ثانيًا: أركان جريمة شهادة الزور

1 الركن القانوني

يتحقق الركن القانوني بوجود نص صريح يجرم شهادة الزور، وهو ما توفره الفصول المشار إليها، التي تحدد نطاق التجريم والعقوبات المقررة له.

2 الركن المادي

يقوم الركن المادي لجريمة شهادة الزور على العناصر التالية:

  • الإدلاء بشهادة أمام جهة قضائية مختصة؛
  • أداء اليمين القانونية، باعتبارها شرطًا جوهريًا لقيام الجريمة؛
  • كذب الشهادة بشأن وقائع جوهرية من شأنها التأثير في الحكم³.

ولا يشترط المشرع أن يترتب عن شهادة الزور صدور حكم فعلي، إذ يكفي تحقق السلوك الإجرامي ذاته.

3 الركن المعنوي

شهادة الزور جريمة عمدية، ويتطلب قيامها توافر القصد الجنائي العام، المتمثل في علم الشاهد بكذب أقواله، واتجاه إرادته إلى الإدلاء بها رغم ذلك. ولا يُعتد بالخطأ أو السهو أو سوء التقدير في قيام هذه الجريمة⁴.

ثالثًا: صور شهادة الزور والعقوبات المقررة لها

ميز المشرع المغربي بين عدة صور لشهادة الزور، ورتب على كل منها عقوبة مناسبة، ومن أبرزها:

  • شهادة الزور في القضايا الجنائية؛
  • شهادة الزور في القضايا المدنية أو التجارية أو الإدارية؛
  • شهادة الزور المفضية إلى إدانة شخص بجناية أو جنحة.

وقد شدد المشرع العقوبة كلما كانت النتائج المترتبة عن شهادة الزور أكثر خطورة، انسجامًا مع مبدأ التناسب بين الجريمة والعقوبة⁵.

رابعًا: موقف القضاء المغربي من جريمة شهادة الزور

استقر الاجتهاد القضائي المغربي على أن العبرة في قيام شهادة الزور هي بتعمد الكذب، وليس بمجرد تناقض الأقوال أو رجوع الشاهد عن شهادته. وقد أكدت محكمة النقض أن تناقض الشهادة مع وقائع الدعوى لا يكفي وحده للإدانة، ما لم يثبت القصد الجنائي بشكل واضح⁶.

كما يشدد القضاء على ضرورة احترام قرينة البراءة، وعدم التوسع في تفسير النصوص الزجرية، بالنظر لما قد يترتب عن الإدانة من مساس بحرية الأفراد.

خامسًا: الإشكالات العملية المرتبطة بإثبات شهادة الزور

تُعد جريمة شهادة الزور من الجرائم الصعبة الإثبات، لكونها تتعلق بعنصر نفسي دقيق، يتمثل في نية الكذب. ومن أبرز الإشكالات العملية:

  • صعوبة التمييز بين الكذب العمدي والخطأ غير المقصود؛
  • الاعتماد على وسائل إثبات غير مباشرة؛
  • الخشية من تقييد حرية الشهود وإحجامهم عن أداء الشهادة.

وقد حاول القضاء المغربي تجاوز هذه الإشكالات من خلال التثبت الصارم من عناصر الجريمة، وربط الإدانة بقيام الدليل اليقيني.

    يتبين من خلال هذه الدراسة أن جريمة شهادة الزور تشكل اعتداءً خطيرًا على العدالة، وهو ما يبرر تشديد المشرع المغربي للعقوبة عليها. غير أن فعالية التجريم تظل رهينة بحسن التطبيق القضائي، والتوازن بين حماية مرفق القضاء وضمان حرية الشهود، بما يحقق العدالة الجنائية ويصون الحقوق والحريات.

=====================================================

قائمة المراجع:

  1. أحمد الخمليشي، شرح القانون الجنائي الخاص المغربي، دار القلم.
  2. القانون الجنائي المغربي، الفصول 369–372.
  3. عبد الواحد العلمي، الشرح العملي للقانون الجنائي المغربي، مطبعة الأمنية.
  4. محمد الكشبور، القصد الجنائي في التشريع المغربي، دار النشر المغربية.
  5. حسن قراقي، الجرائم الماسة بسير العدالة، مطبعة النجاح الجديدة.
  6. قرارات محكمة النقض المغربية، الغرفة الجنائية.