جريمة الابتزاز في القانون الجنائي المغربي


جريمة الابتزاز في القانون الجنائي المغربي

                  قراءة تحليلية في ضوء النص القانوني والعمل القضائي

                                       الأستاذ رشيد صديقي محام بهيئة المحامين بمراكش

  أفرز التطور الاجتماعي والتكنولوجي المعاصر أنماطًا جديدة من الجرائم التي تستهدف الأفراد في حرياتهم وطمأنينتهم، ومن أبرزها جريمة الابتزاز، التي تقوم على ممارسة ضغط غير مشروع على الضحية، عن طريق التهديد بإلحاق ضرر مادي أو معنوي، بقصد الحصول على منفعة لا حق للجاني فيها وقد ازدادت خطورة هذه الجريمة مع انتشار وسائل الاتصال الحديثة، التي وفّرت للجناة وسائل سهلة وفعّالة لممارسة الابتزاز، خاصة في صورته الإلكترونية.

وقد سعى المشرّع المغربي إلى مواجهة هذا السلوك الإجرامي من خلال تجريمه ضمن مجموعة القانون الجنائي، واضعًا بذلك إطارًا قانونيًا يهدف إلى حماية حرية الإرادة والأمن النفسي للأفراد. كما ساهم العمل القضائي المغربي، ولا سيما اجتهاد محكمة النقض، في توضيح عناصر جريمة الابتزاز وضبط معايير قيامها، بما يضمن التوازن بين متطلبات الزجر الجنائي وضمانات المحاكمة العادلة(1).

وتتمثل إشكالية هذا المقال في التساؤل حول: ما هو الإطار القانوني لجريمة الابتزاز في القانون الجنائي المغربي؟ وما مدى مساهمة القضاء في تعزيز الحماية الجنائية من هذه الجريمة؟

المبحث الأول: الإطار المفاهيمي والقانوني لجريمة الابتزاز

المطلب الأول: مفهوم جريمة الابتزاز وتمييزها عن الجرائم المشابهة

 لم يضع المشرّع المغربي تعريفًا صريحًا لجريمة الابتزاز، غير أنه جرّم أفعالها ضمن الفصل 538 من مجموعة القانون الجنائي، الذي يعاقب كل من حصل أو حاول الحصول على توقيع أو التزام أو إفشاء سر عن طريق التهديد. ويُفهم من هذا المقتضى أن الابتزاز يقوم على عنصرين أساسيين: التهديد وطلب منفعة غير مشروعة.

 وقد عرّف الفقه الجنائي الابتزاز بأنه كل تهديد موجَّه إلى شخص لحمله على القيام بعمل أو الامتناع عنه، بقصد تحقيق مصلحة غير مشروعة، تحت تأثير الخوف والإكراه المعنوي(2).
ويجب التمييز بين الابتزاز وبعض الجرائم القريبة منه، كجريمة التهديد أو النصب، حيث يتميز الابتزاز بكون التهديد وسيلة لتحقيق غاية محددة، بينما قد يشكل التهديد جريمة مستقلة إذا لم يقترن بطلب(3).

المطلب الثاني: الأساس القانوني لتجريم الابتزاز في التشريع المغربي

 يستند تجريم الابتزاز في القانون الجنائي المغربي إلى حماية مجموعة من المصالح القانونية، في مقدمتها حرية الإرادة والاعتبار الشخصي والأمن النفسي للأفراد وقد أكد القضاء المغربي هذا التوجه، معتبرًا أن جريمة الابتزاز تمس بحرية الاختيار، وتجعل إرادة الضحية مشوبة بالإكراه المعنوي، مما يبرر التدخل الزجري لحماية هذه القيم(4).

المبحث الثاني: أركان جريمة الابتزاز في القانون الجنائي المغربي

المطلب الأول: الركن المادي

 يتجسد الركن المادي لجريمة الابتزاز في فعل التهديد، الذي قد يكون صريحًا أو ضمنيًا، مباشرًا أو غير مباشر، شفويًا أو كتابيًا، أو عبر وسائط إلكترونية. ويشترط أن يكون التهديد من شأنه التأثير في نفس المجني عليه وإحداث الخوف لديه، بما يحمله على الاستجابة لمطلب الجاني.

وقد استقر اجتهاد محكمة النقض على أن العبرة في قيام التهديد ليست بوسيلته، وإنما بالأثر الذي يحدثه في نفس الضحية، ومدى قدرته على التأثير في إرادتها(5).
ولا يشترط لتحقق الجريمة أن تتحقق النتيجة الإجرامية فعليًا، إذ يكفي مجرد محاولة الابتزاز، وهو ما يعكس الطابع الوقائي للتجريم.

المطلب الثاني: الركن المعنوي

 تُعد جريمة الابتزاز من الجرائم العمدية التي يتطلب فيها توافر القصد الجنائي، المتمثل في علم الجاني بعدم مشروعية فعله، واتجاه إرادته إلى تحقيق منفعة غير مشروعة عن طريق التهديد.
وقد قضى القضاء المغربي بأن انتفاء نية الحصول على منفعة غير مشروعة ينفي قيام جريمة الابتزاز، حتى وإن تحقق فعل التهديد(6).

المبحث الثالث: صور جريمة الابتزاز ودور العمل القضائي

المطلب الأول: الابتزاز التقليدي والابتزاز الإلكتروني

 تتخذ جريمة الابتزاز صورًا متعددة، من بينها الابتزاز المرتبط بالحصول على المال أو التوقيع على التزامات، والابتزاز المرتبط بإفشاء الأسرار الشخصية أو المهنية. ومع تطور التكنولوجيا، برزت صورة الابتزاز الإلكتروني، الذي يتم عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو التطبيقات الرقمية.

وقد تعامل القضاء المغربي بمرونة وحزم مع هذه الصور، معتبرًا أن استعمال الوسائط الحديثة لا يغير من الطبيعة القانونية للجريمة، بل قد يزيد من خطورتها بالنظر إلى سرعة انتشار الضرر واتساع نطاقه(7).

المطلب الثاني: موقف القضاء المغربي من جريمة الابتزاز

 ساهم العمل القضائي المغربي في تكريس حماية فعالة من جريمة الابتزاز، حيث اعتبرت محكمة النقض أن العبرة في هذه الجريمة ليست بتحقق المنفعة فعليًا، وإنما بقيام التهديد بقصد تحقيقها(8).
كما اعتمدت المحاكم على وسائل إثبات حديثة، كالمراسلات الإلكترونية، متى تم الحصول عليها بطرق مشروعة، وهو ما يعكس تطور السياسة القضائية في مواجهة الجرائم المستحدثة.

      يتضح من خلال هذه الدراسة أن جريمة الابتزاز في القانون الجنائي المغربي تُعد من الجرائم الخطيرة التي تستوجب تدخلًا تشريعيًا وقضائيًا صارمًا، نظرًا لما تمثله من مساس بحرية الأفراد وأمنهم النفسي وقد نجح المشرّع المغربي، إلى جانب القضاء، في وضع إطار قانوني يوفر حماية جنائية معتبرة للضحايا.

غير أن تنامي صور الابتزاز، خاصة في المجال الرقمي، يفرض ضرورة تطوير النصوص القانونية وتعزيز التكوين القضائي والتقني، بما يضمن مواجهة فعالة لهذه الجريمة وتحقيق العدالة الجنائية.

=======================================================

المراجع:

  1. أحمد الخمليشي، القانون الجنائي الخاص، الجزء الثاني، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط، 2019، ص 185.
  2. محمد صبري السعدي، شرح القانون الجنائي الخاص، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 2018، ص 243.
  3. عبد الواحد العلمي، الوسيط في شرح القانون الجنائي المغربي، الجزء الثالث، دار الثقافة، الدار البيضاء، 2020، ص 312.
  4. قرار محكمة النقض، غرفة جنائية، منشور بمجلة قضاء المجلس الأعلى، عدد 63، ص 217.
  5. قرار محكمة النقض، منشور بمجلة القضاء والقانون، عدد 154، ص 143.
  6. حسن صبار، الجرائم الواقعة على الأشخاص في القانون الجنائي المغربي، مطبعة الأمنية، الرباط، 2017، ص 201.
  7. قرار قضائي منشور بمجلة الملف القضائي، عدد 6، ص 89.
  8. حكم المحكمة الابتدائية بالدار البيضاء، منشور بمجلة المحاكم المغربية، عدد 148، ص 112.
  9. عبد الرحيم العلمي، السياسة الجنائية بالمغرب، دار النشر المغربية، 2016، ص 266.
  10. الفصل 538 من مجموعة القانون الجنائي المغربي.