
جريمة الابتزاز الإلكتروني في القانون الجنائي المغربي
دراسة قانونية في ضوء النص الجنائي والعمل القضائي
الأستاذ رشيد صديقي محام بهيئة المحامين بمراكش
إن الانتشار الواسع لاستخدام الأنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي إلى بروز أشكال جديدة من الاعتداء على الأفراد، كان من أخطرها جريمة الابتزاز الإلكتروني، التي تستهدف الضحايا في حياتهم الخاصة واعتبارهم الاجتماعي، مستعملةً وسائل تقنية تتيح سرعة التنفيذ وصعوبة التتبع. ويقوم هذا النوع من الجرائم على تهديد الضحية بنشر صور أو معطيات أو تسجيلات ذات طابع شخصي أو خاص، بقصد الحصول على مقابل مادي أو معنوي.
كما لعب القضاء المغربي دورًا أساسيًا في تكييف الأفعال المرتبطة بالابتزاز الإلكتروني اعتمادًا على تفسير موسّع لمفهوم التهديد والوسائل المستعملة فيه.(1)
وتتمثل إشكالية هذا المقال في التساؤل حول: ما هو الإطار القانوني لجريمة الابتزاز؟ الإلكتروني في القانون الجنائي المغربي؟ وما مدى فعالية العمل القضائي في مواجهتها؟
أولا: الإطار المفاهيمي والقانوني لجريمة الابتزاز الإلكتروني
لا يتضمن التشريع المغربي تعريفًا صريحًا لجريمة الابتزاز الإلكتروني، غير أن الفقه الجنائي يعرّفها بأنها كل تهديد موجَّه عبر وسيلة إلكترونية، بقصد حمل الضحية على تسليم مال أو تحقيق منفعة غير مشروعة، تحت طائلة نشر محتوى أو معلومات تمس بحياته الخاصة أو سمعته.(2)
وتتميز جريمة الابتزاز الإلكتروني عن الابتزاز التقليدي بكونها تُرتكب عبر فضاء افتراضي، مما يضاعف من خطورتها، نظرًا لسهولة انتشار المحتوى الرقمي وصعوبة السيطرة عليه بعد نشره. كما تتسم هذه الجريمة غالبًا بكونها عابرة للحدود، وهو ما يطرح إشكالات عملية في مجال المتابعة والزجر.
يعتمد المشرّع المغربي في تجريم الابتزاز الإلكتروني على مقتضيات الفصل 538 من مجموعة القانون الجنائي، الذي يجرّم الحصول أو محاولة الحصول على توقيع أو التزام أو إفشاء سر عن طريق التهديد، إلى جانب الفصول المتعلقة بالمس بالحياة الخاصة ونظم المعالجة الآلية للمعطيات الشخصية(3)
وقد اتجه القضاء المغربي إلى اعتبار الوسيلة الإلكترونية مجرد أداة لتنفيذ فعل الابتزاز، دون أن يؤثر ذلك على التكييف القانوني للجريمة، معتبرًا أن العبرة تبقى بتوافر عناصر التهديد والقصد الإجرامي(4)
ثانيا: أركان جريمة الابتزاز الإلكتروني في القانون الجنائي المغربي
يتجسد الركن المادي لجريمة الابتزاز الإلكتروني في فعل التهديد، الذي يتم عبر وسيلة إلكترونية، كالبريد الإلكتروني أو تطبيقات التراسل أو مواقع التواصل الاجتماعي. ويشترط أن يكون هذا التهديد من شأنه بث الخوف في نفس الضحية وحملها على الاستجابة لمطلب الجاني.
وقد استقر العمل القضائي المغربي على أن التهديد الإلكتروني يتحقق متى كان من شأنه التأثير على إرادة المجني عليه، بغض النظر عن طبيعة الوسيلة المستعملة أو شكل الرسالة(5)
ولا يُشترط لتحقق الجريمة أن يتم نشر المحتوى محل التهديد فعليًا، إذ يكفي مجرد التهديد به، أو حتى محاولة الابتزاز.
تُعد جريمة الابتزاز الإلكتروني من الجرائم العمدية، التي يتطلب فيها توافر القصد الجنائي، المتمثل في علم الجاني بعدم مشروعية فعله، واتجاه إرادته إلى تحقيق منفعة غير مشروعة عن طريق التهديد.
وقد أكدت المحاكم المغربية أن القصد الجنائي يُستخلص من ظروف الواقعة وملابساتها، ومن طبيعة الرسائل أو الأفعال الصادرة عن الجاني، متى كانت دالة على نية الابتزاز.(6)
ثالثا: موقف القضاء المغربي من جريمة الابتزاز الإلكتروني
ساهم القضاء المغربي في تطوير مفهوم الابتزاز من خلال إدراج الأفعال الإلكترونية ضمن نطاق الفصل 538 من القانون الجنائي، معتبرًا أن التهديد بنشر صور أو تسجيلات شخصية عبر الأنترنت يشكل صورة مكتملة الأركان لجريمة الابتزاز.(7)
كما اعتمد القضاء على وسائل إثبات رقمية، مثل المحادثات الإلكترونية والرسائل، متى تم الحصول عليها بطرق مشروعة وتحترم ضمانات المحاكمة العادلة.
رغم الجهود التشريعية والقضائية المبذولة، لا تزال جريمة الابتزاز الإلكتروني تطرح تحديات عملية، خاصة فيما يتعلق بإثبات الهوية الرقمية للجاني، وطابع الجريمة العابر للحدود وهو ما يفرض تعزيز التعاون القضائي، وتطوير النصوص القانونية بما يواكب التحولات الرقمية.
يتبين من خلال هذه الدراسة أن جريمة الابتزاز الإلكتروني تمثل امتدادًا خطيرًا لجريمة الابتزاز التقليدي، مع ما تضيفه الوسائط الرقمية من تعقيد وخطورة. وقد تعامل المشرّع والقضاء المغربيان مع هذه الجريمة اعتمادًا على النصوص الجنائية القائمة، مع تفسيرها بما يضمن حماية فعالة للضحايا.
غير أن تنامي هذا النوع من الجرائم يستدعي مراجعة شاملة للسياسة الجنائية الرقمية، وتعزيز آليات الوقاية والتوعية، إلى جانب تطوير وسائل البحث والتحقيق، بما يحقق حماية جنائية متكاملة في الفضاء الرقمي.
=======================================================
المراجع:
- أحمد الخمليشي، القانون الجنائي الخاص، الجزء الثاني، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط، 2019، ص 190.
- محمد صبري السعدي، شرح القانون الجنائي الخاص، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 2018، ص 250.
- الفصول 538، 447-1 وما يليها من مجموعة القانون الجنائي المغربي.
- قرار محكمة النقض، غرفة جنائية، منشور بمجلة قضاء المجلس الأعلى، عدد 63، ص 221.
- قرار محكمة النقض، منشور بمجلة القضاء والقانون، عدد 158، ص 167.
- حسن صبار، الجرائم المعلوماتية في القانون المغربي، مطبعة الأمنية، الرباط، 2020، ص 143.
- حكم المحكمة الابتدائية بالرباط، منشور بمجلة الملف القضائي، عدد 9، ص 97.
- عبد الرحيم العلمي، السياسة الجنائية بالمغرب، دار النشر المغربية، 2016، ص 271.