الكراء السكني في القانون المغربي


الكراء السكني في القانون المغربي

 

الأستاذ رشيد صديقي محام بهيئة المحامين بمراكش

 

      يحظى عقد الكراء السكني بأهمية خاصة داخل المنظومة القانونية المغربية، باعتباره من العقود التي تمس بشكل مباشر الحياة اليومية للأفراد واستقرارهم الاجتماعي. فالكراء لا يقتصر على كونه علاقة تعاقدية ذات طابع مالي، بل يتجاوز ذلك ليشكل إطارًا قانونيًا لتنظيم الانتفاع بالسكن، بما يحمله من أبعاد إنسانية واجتماعية.

وقد تدخل المشرّع المغربي لتنظيم الكراء السكني من خلال نصوص خاصة، أبرزها القانون رقم 67.12 المتعلق بتنظيم العلاقات التعاقدية بين المكري والمكتري، وذلك قصد تجاوز الاختلالات التي أفرزتها الممارسة العملية، وتحقيق نوع من التوازن بين طرفي العلاقة الكرائية كما ساهم العمل القضائي في توضيح العديد من الإشكالات المرتبطة بتطبيق هذه النصوص، من خلال اجتهادات كرّست مبادئ الاستقرار التعاقدي وحماية السكن كحاجة أساسية(1).

وتتمثل إشكالية هذا المقال في التساؤل حول: ما هو الإطار القانوني المنظم للكراء السكني في القانون المغربي؟ وكيف أسهم القضاء في ضبط معالم هذه العلاقة؟

أولًا: الإطار القانوني والطبيعة الخاصة لعقد الكراء السكني

    يُعرّف عقد الكراء، وفق القواعد العامة، بأنه عقد يلتزم بمقتضاه أحد الطرفين بتمكين الطرف الآخر من الانتفاع بشيء معين لمدة محددة مقابل عوض معلوم. غير أن الكراء السكني يتميز بخصوصية واضحة، بالنظر إلى طبيعة محل العقد، المتمثل في المسكن، وما يترتب عن ذلك من اعتبارات اجتماعية وإنسانية.

وقد عمل المشرّع المغربي على إخضاع الكراء السكني لمقتضيات خاصة، من خلال القانون رقم 67.12، الذي حدّد القواعد الأساسية المنظمة للعلاقة بين المكري والمكتري، سواء من حيث إبرام العقد أو تنفيذه أو إنهائه. ويهدف هذا التنظيم إلى الحد من التعسف في استعمال الحق، خاصة من جانب المكري، وضمان حد أدنى من الاستقرار السكني للمكتري(2).

ويُلاحظ أن المشرّع المغربي تبنّى مقاربة حمائية في تنظيم الكراء السكني، حيث قيّد بعض مظاهر حرية التعاقد، من خلال فرض الكتابة، وتحديد شروط مراجعة السومة الكرائية، والتنصيص على مساطر خاصة لإنهاء العقد أو الإفراغ. وقد أكد القضاء المغربي هذا التوجه، معتبرًا أن مقتضيات الكراء السكني ذات طابع آمِر، لا يجوز الاتفاق على ما يخالفها متى كان من شأن ذلك الإضرار بأحد الطرفين، خاصة المكتري(3).

وتتجلى الطبيعة الخاصة لعقد الكراء السكني كذلك في الدور الواسع الذي يضطلع به قاضي الموضوع، الذي لا يكتفي بتطبيق النصوص القانونية تطبيقًا حرفيًا، بل يسعى إلى تحقيق التوازن العقدي، مراعيًا ظروف الأطراف والغاية الاجتماعية للعقد.

ثانيًا: التزامات أطراف الكراء السكني ودور العمل القضائي

 

  يرتب عقد الكراء السكني مجموعة من الالتزامات المتبادلة بين المكري والمكتري، تشكل جوهر العلاقة الكرائية وأساس استقرارها.

فمن جهة، يلتزم المكري بتمكين المكتري من الانتفاع بالعين المكراة في الحالة التي تصلح للسكن، مع ضمان الهدوء والاستعمال العادي للمسكن طيلة مدة الكراء. كما يلتزم بالقيام بالإصلاحات الضرورية التي تضمن صلاحية المسكن للسكن، ما لم يتفق على خلاف ذلك في حدود ما يسمح به القانون. وقد استقر القضاء المغربي على أن إخلال المكري بهذه الالتزامات يخول للمكتري اللجوء إلى القضاء للمطالبة بالإصلاح أو التعويض، دون أن يُعد ذلك مساسًا بحق الملكية(4).

ومن جهة أخرى، يلتزم المكتري بأداء السومة الكرائية في الأجل المتفق عليه، والمحافظة على العين المكراة واستعمالها وفق الغرض المخصص لها، أي السكن. ويُعد تغيير وجهة استعمال المحل المكترى سببًا مشروعًا لإنهاء العقد، متى ثبت الضرر أو مخالفة بنود العقد. وقد أكدت المحاكم المغربية أن الالتزام بالاستعمال السكني يُعد من النظام العام، متى تم النص عليه صراحة في عقد الكراء(5).

أما بخصوص إنهاء عقد الكراء السكني، فقد أخضعه المشرّع المغربي لشروط وإجراءات دقيقة، خاصة في حالات الإفراغ، حيث اشترط توجيه إنذار قانوني، وتحديد سبب مشروع، مع تمكين القضاء من مراقبة جدية السبب. ويبرز هنا الدور الحمائي للقضاء، الذي يوازن بين حق المكري في استرجاع ملكه وحق المكتري في الاستقرار السكني، مستحضرًا البعد الاجتماعي للعلاقة الكرائية(6).

      يتضح من خلال هذه الدراسة أن الكراء السكني في القانون المغربي لم يعد مجرد علاقة تعاقدية تخضع لحرية الإرادة، بل أضحى نظامًا قانونيًا ذا بعد اجتماعي، تحكمه قواعد خاصة تهدف إلى تحقيق التوازن وحماية الاستقرار السكني. وقد نجح المشرّع المغربي، إلى حد كبير، في وضع إطار تشريعي يحد من النزاعات الكرائية، غير أن فعالية هذا الإطار تبقى رهينة بحسن التطبيق القضائي.

ويظل العمل القضائي عنصرًا أساسيًا في تطوير قواعد الكراء السكني، من خلال اجتهادات تواكب التحولات الاجتماعية والاقتصادية، بما يضمن عدالة تعاقدية حقيقية بين أطراف العلاقة الكرائية.

===================================================

الهوامش والمراجع

  1. عبد العزيز توفيق، شرح القانون المتعلق بالكراء السكني والمهني، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 2018، ص 45.
  2. القانون رقم 67.12 المتعلق بتنظيم العلاقات التعاقدية بين المكري والمكتري.
  3. قرار محكمة النقض، غرفة مدنية، منشور بمجلة القضاء والقانون، عدد 156، ص 89.
  4. أحمد الخمليشي، العقود المدنية في القانون المغربي، دار النشر المغربية، 2017، ص 213.
  5. قرار محكمة الاستئناف بالدار البيضاء، منشور بمجلة المحاكم المغربية، عدد 152، ص 134.
  6. عبد الرحيم العلمي، القضاء المدني المغربي، دار الثقافة، الدار البيضاء، 2016، ص 198.