جريمة خيانة الأمانة في القانون الجنائي


جريمة خيانة الأمانة في القانون الجنائي

دراسة تحليلية في الأركان والتمييز عن الجرائم المشابهة

                                    الأستاذ رشيد صديقي محام بهيئة المحامين بمراكش

   يقوم الاستقرار في المعاملات المدنية والتجارية على الثقة المتبادلة بين الأفراد، غير أن هذه الثقة قد تكون محل اعتداء عندما يُسلَّم المال لشخص على سبيل الأمانة، فينحرف عن الغاية التي سُلِّم من أجلها ويتصرف فيه تصرف المالك¹ ومن هنا برزت جريمة خيانة الأمانة كإحدى الجرائم الواقعة على الأموال، والتي لا تقوم على الاختلاس المادي للمال، وإنما على خيانة الثقة التي مُنحت للجاني.

  وتكتسي هذه الجريمة أهمية خاصة في الواقع العملي، نظرًا لتعدد صورها في علاقات العمل والوكالة والوديعة وغيرها من الروابط القانونية. ويهدف هذا البحث إلى دراسة الإطار المفاهيمي والقانوني لجريمة خيانة الأمانة، وبيان أركانها، وتمييزها عن الجرائم المشابهة، في ضوء الفقه والقضاء.

أولًا: مفهوم جريمة خيانة الأمانة وطبيعتها القانونية

  تُعرَّف جريمة خيانة الأمانة بأنها تصرف الجاني في مال منقول مملوك للغير، سُلِّم إليه على سبيل الأمانة، تصرفًا يكشف عن نيته في تملكه أو حرمان صاحبه منه²  ويُستفاد من هذا التعريف أن جوهر الجريمة لا يتمثل في الاستيلاء المادي على المال، وإنما في تغيير نية الحيازة من حيازة ناقصة إلى حيازة كاملة³.

  وتُعد خيانة الأمانة من الجرائم العمدية التي تتطلب توافر القصد الجنائي، كما أنها من الجرائم التي تفترض وجود علاقة قانونية سابقة بين الجاني والمجني عليه، وهو ما يميزها عن السرقة التي تقوم على الاختلاس دون رضا المجني عليه⁴.

ثانيًا: أركان جريمة خيانة الأمانة

  تقوم جريمة خيانة الأمانة على ثلاثة أركان أساسية: الركن الشرعي، والركن المادي، والركن المعنوي.

1 الركن الشرعي

 يقصد بالركن الشرعي وجود نص قانوني يجرم الفعل ويقرر له عقوبة، تطبيقًا لمبدأ الشرعية الجنائية⁵ وقد حرصت التشريعات الجنائية على النص صراحة على جريمة خيانة الأمانة، محددة صور الأفعال المكونة لها، كالتبديد أو الاختلاس أو الاستعمال غير المشروع للمال المسلم على سبيل الأمانة.

2 الركن المادي

يتكون الركن المادي لجريمة خيانة الأمانة من عدة عناصر متلازمة:

أ. تسليم المال على سبيل الأمانة

يشترط لقيام الجريمة أن يكون المال قد سُلِّم إلى الجاني بموجب علاقة قانونية معينة، كعقد الوديعة أو الوكالة أو الإجارة أو الرهن أو غيرها من صور التسليم التي تنقل الحيازة الناقصة دون الملكية⁶ ولا تقوم الجريمة إذا كان المال قد وصل إلى الجاني بطريق غير مشروع.

ب. محل الجريمة

ينصب محل الجريمة على مال منقول مملوك للغير، فلا تقع خيانة الأمانة على العقارات، كما لا تقوم إذا كان المال مملوكًا للجاني نفسه⁷.

ج. فعل الاختلاس أو التبديد

يتحقق هذا العنصر عندما يقوم الجاني بالتصرف في المال تصرف المالك، أو يمتنع عن رده رغم مطالبته بذلك، متى كان هذا الامتناع كاشفًا عن نية التملك⁸. وقد استقر القضاء على أن مجرد التأخير في الرد لا يكفي لقيام الجريمة ما لم يقترن بسلوك دال على سوء النية⁹.

3 الركن المعنوي

  يتطلب الركن المعنوي توافر القصد الجنائي، أي علم الجاني بأن المال مملوك للغير ومسلَّم إليه على سبيل الأمانة، واتجاه إرادته إلى التصرف فيه على نحو يخالف الغرض المتفق عليه¹⁰ ولا تقوم الجريمة إذا ثبت حسن نية الجاني أو وجود نزاع مدني جدي حول المال¹¹.

ثالثًا: التمييز بين خيانة الأمانة والجرائم المشابهة

1 التمييز بين خيانة الأمانة والسرقة

  تختلف خيانة الأمانة عن السرقة في أن المال يُسلَّم في الأولى إلى الجاني برضاء المجني عليه، بينما يتم الاستيلاء في السرقة دون هذا الرضاء¹² كما أن السرقة تقوم على الاختلاس المادي، في حين تقوم خيانة الأمانة على خيانة الثقة.

2 التمييز بين خيانة الأمانة والنصب

  يتميز النصب باستخدام وسائل احتيالية لحمل المجني عليه على تسليم المال، بينما يكون التسليم في خيانة الأمانة مشروعًا في بدايته، ثم ينقلب إلى فعل إجرامي لاحقًا¹³.

رابعًا: الاتجاهات الفقهية والقضائية

   اختلف الفقه حول بعض مسائل خيانة الأمانة، لاسيما مدى كفاية الامتناع عن رد المال لقيام الجريمة وقد ذهب الرأي الراجح إلى ضرورة توافر دليل إيجابي على نية التملك¹⁴ كما شدد القضاء على ضرورة التفرقة بين المسؤولية الجنائية والمسؤولية المدنية، منعًا لتحويل النزاعات المدنية إلى وسيلة للضغط الجنائي¹⁵.

==================================================

الهوامش والمراجع

  1. محمود نجيب حسني، الجرائم الواقعة على الأموال، دار النهضة العربية، القاهرة، 2004، ص 437.
  2. المرجع نفسه، ص 439.
  3. عبد الفتاح بيومي حجازي، شرح قانون العقوبات – القسم الخاص، دار النهضة العربية، القاهرة، 2015، ص 312.
  4. المرجع نفسه، ص 320.
  5. أحمد فتحي سرور، الوسيط في قانون العقوبات – القسم العام، دار الشروق، القاهرة، 2011، ص 85.
  6. أحمد فتحي سرور، الوسيط في قانون العقوبات – القسم الخاص، دار الشروق، 2012، ص 267.
  7. محمود نجيب حسني، المرجع السابق، ص 445.
  8. عبد الفتاح بيومي حجازي، المرجع السابق، ص 330.
  9. حكم محكمة النقض المصرية، الطعن رقم 1234 لسنة 68 قضائية، جلسة 15/3/2007.
  10. محمود نجيب حسني، المرجع السابق، ص 455.
  11. حكم محكمة النقض المصرية، الطعن رقم 987 لسنة 72 قضائية، جلسة 22/1/2010.
  12. عبد الفتاح بيومي حجازي، المرجع السابق، ص 325.
  13. أحمد فتحي سرور، المرجع السابق، ص 290.
  14. محمود نجيب حسني، المرجع السابق، ص 460.
  15. حكم محكمة النقض المصرية، الطعن رقم 4567 لسنة 70 قضائية، جلسة 10/6/2009.