الزواج المختلط بين النص القانوني والاجتهاد القضائي


                   الزواج المختلط بين النص القانوني والاجتهاد القضائي

                                       الاستاذ رشيد صديقي محام بهيئة المحامين بمراكش

    يُعتبر الزواج المختلط من الظواهر الاجتماعية والقانونية المتنامية في المغرب، نتيجة تزايد الهجرة وتداخل الثقافات.

وقد اهتمت مدونة الأسرة لسنة 2004 بتنظيم هذا النوع من الزواج، من خلال وضع قواعد خاصة تتعلق بالشروط الموضوعية والشكلية، وضبط مسألة تنازع القوانين، وضمان احترام النظام العام المغربي إلا أن التطبيق العملي أفرز عدة إشكالات، خاصةً أمام القضاء المغربي، الذي عمل على توضيح حدود سلطة القاضي في توثيق الزواج المختلط، وحماية حقوق الأطراف والأبناء.

ماهو الاطار القانوني للزواج المختلط و الاشكالات العملية التي يطرحها؟

أولًا: الإطار القانوني للزواج المختلط في مدونة الأسرة

  تنص المادة 14 من مدونة الأسرة على إمكانية إبرام عقد الزواج بين مغربي وأجنبي أمام الضابط المغربي المختص، أو أمام السلطات الأجنبية، شريطة استيفاء الشروط الجوهرية للزواج المنصوص عليها في القانون المغربي(1). كما نصت المادة 15 على إلزامية تسجيل العقد في المغرب إذا تم بالخارج، وذلك لضمان اعترافه القانوني داخل التراب الوطني(2).

أما من حيث الأهلية، فقد أحالت المادة 10 وما يليها على الشروط العامة للزواج، مع مراعاة أن القانون المغربي يُعتبر المرجع الأساسي في تحديد الأهلية بالنسبة للمغاربة، ولو أبرموا الزواج بالخارج(3).

ثانيًا: إشكالات التطبيق العملي

  1. مسألة التعدد والزواج المختلط

  من أبرز الإشكالات التي عرضت على القضاء المغربي، مسألة طلب أجنبي الزواج بمغربية رغم كونه متزوجًا في بلده الأصلي. وقد أكدت محكمة النقض أن التعدد لا يُقبل إلا بشروط المادة 41 وما يليها، وأن النظام العام المغربي يفرض احترام قيود التعدد حتى على الأجانب إذا تعلق الأمر بزوجة مغربية(4).

  1. اختلاف الديانة

 تُعد مسألة اختلاف الديانة من الإشكالات الجوهرية، إذ يمنع القانون المغربي زواج المسلمة بغير المسلم. وقد كرّست محكمة النقض هذا المبدأ في عدة قرارات، معتبرة أن الزواج بين مسلمة وأجنبي غير مسلم باطل لمخالفته للنظام العام(5).

  1. التوثيق بالخارج

  في حالة إبرام العقد أمام السلطات الأجنبية، يثور مشكل الاعتراف به داخل المغرب. وقد قضت محكمة النقض بأن العقد الأجنبي صحيح إذا استوفى شروط الشكل الجوهرية في البلد المضيف، وتم تسجيله داخل المغرب طبقًا للمادة 15(6).

ثالثًا: موقف القضاء المغربي

 أبان القضاء المغربي عن توجه واضح نحو حماية النظام العام الأسري المغربي، حتى في حالات الزواج المختلط. ومن بين أهم الاجتهادات:

  • قرار محكمة النقض عدد 486 بتاريخ 19/07/2011، ملف شرعي عدد 2010/1/2/180: اعتبرت المحكمة أن الزواج المختلط المبرم بالخارج صحيح إذا استوفى شروط بلد الإبرام وسُجّل في المغرب(7).
  • قرار محكمة النقض عدد 315 بتاريخ 05/05/2009، ملف شرعي عدد 2008/1/2/445: قضت بأن زواج مسلمة بأجنبي غير مسلم يُعد باطلًا لمخالفته النظام العام المغربي(8).
  • قرار محكمة النقض عدد 517 بتاريخ 17/10/2017، ملف شرعي عدد 2016/1/2/305: شددت على ضرورة مراعاة قيود التعدد في الزواج المختلط ولو كان الأجنبي ينتمي إلى نظام قانوني يبيحه دون شروط(9).

رابعًا: آثار الزواج المختلط

ينتج عن الزواج المختلط آثار مالية وشخصية وأحوال خاصة بالأبناء، ومن أبرزها:

  • النسب: يثبت وفق قواعد مدونة الأسرة، مع مراعاة إثباته عبر الوسائل العلمية (الخبرة الجينية) في حالة النزاع.
  • الإرث: يخضع للقانون المغربي بالنسبة للمغاربة، مع بروز صعوبات في التنفيذ الدولي للأحكام.
  • النفقة والحضانة: يُراعي القاضي المغربي مصلحة المحضون أولًا، حتى مع إقامة أحد الأبوين بالخارج(10).

    يظهر من خلال النصوص القانونية والاجتهادات القضائية أن المشرع المغربي تعامل مع الزواج المختلط بحذر، فجعل الأصل هو احترام النظام العام المغربي، خاصة في مسائل التعدد والديانة، مع الاعتراف بالعقود المبرمة بالخارج شرط تسجيلها.

كما أن محكمة النقض أسهمت بشكل بارز في توحيد التوجه القضائي وضمان حماية الأسرة المغربية من أي تجاوز.

=======================================================

لائحة المراجع

  1. المادة 14 من مدونة الأسرة، ظهير شريف رقم 1.04.22 صادر في 3 فبراير 2004 بتنفيذ القانون رقم 70.03 بمثابة مدونة الأسرة، ج.ر عدد 5184 بتاريخ 5 فبراير 2004.
  2. المادة 15 من مدونة الأسرة، مرجع سابق.
  3. المادة 10 وما يليها من مدونة الأسرة، مرجع سابق.
  4. قرار محكمة النقض، عدد 517، بتاريخ 17/10/2017، ملف شرعي عدد 2016/1/2/305، غير منشور.
  5. قرار محكمة النقض، عدد 315، بتاريخ 05/05/2009، ملف شرعي عدد 2008/1/2/445، منشور بمجلة قضاء المجلس الأعلى، عدد 80، ص 211.
  6. قرار محكمة النقض، عدد 486، بتاريخ 19/07/2011، ملف شرعي عدد 2010/1/2/180، منشور.
  7. نفس القرار، مرجع سابق.
  8. قرار محكمة النقض، عدد 315، مرجع سابق.
  9. قرار محكمة النقض، عدد 517، مرجع سابق.
  10. المادة 171 وما يليها من مدونة الأسرة؛ وانظر: قرار محكمة النقض عدد 274 بتاريخ 14/04/2015، ملف شرعي عدد 2014/1/2/197.