
المتعة في مدونة الأسرة بين النص القانوني والاجتهاد القضائي
الاستاذ رشيد صديقي محام بهيئة المحامين بمراكش
يُعتبر نظام المتعة من أبرز الآثار المالية المترتبة عن انحلال ميثاق الزوجية في التشريع المغربي، إذ يهدف إلى جبر خاطر الزوجة والتخفيف من وقع الفُراق وقد نظّمها المشرع في المادة 84 من مدونة الأسرة، محدّدًا معايير تقديرها في مدة الزواج، الوضعية المالية للزوج و أسباب الطلاق، ومدى تعسّف الزوج.
غير أنّ التطبيق العملي كشف عن إشكالات عديدة، خصوصًا في دعاوى التطليق للشقاق، ما استدعى تدخل محكمة النقض لترسيخ ضوابط دقيقة.
الى اي حد وفق المشرع المغربي في تنظيم أحكام المتعة في مدونة الاسرة والاشكالات العملية التي تطرحها؟
أولًا: التأصيل القانوني للمتعة
نصّت المادة 84 من مدونة الأسرة على أنّ مستحقات الزوجة تشمل: مؤخر الصداق، نفقة العدة، والمتعة التي يراعي القاضي في تقديرها العناصر الأربعة المذكورة. ويتضح من صياغة المادة أنّ المشرع قصد ربط المتعة بمبادرة الزوج إلى الطلاق، باعتبارها وسيلة لتدارك التعسّف في إنهاء العلاقة الزوجية.
ثانيًا: نطاق استحقاق المتعة
ميزت محكمة النقض بين حالتين أساسيتين:
- الطلاق أو التطليق بناءً على طلب الزوج: تستحق الزوجة المتعة وفق المادة 84.
- التطليق للشقاق بناءً على طلب الزوجة: لا تستحق الزوجة المتعة، وإنما يمكن أن يُحكم لها بالتعويض إذا ثبتت مسؤولية الزوج عن الفراق.
وقد استقر هذا التوجه في عدة قرارات، أبرزها:
- القرار عدد 433 بتاريخ 21 شتنبر 2010، ملف شرعي عدد 2009/1/2/623، حيث قضت محكمة النقض بأن المتعة لا تُحكم إلا في حال الطلاق أو التطليق بطلب الزوج، أما في حالة الشقاق بطلب الزوجة فالمناط هو التعويض لا المتعة(1).
- القرار عدد 239 بتاريخ 25 مارس 2014، ملف شرعي عدد 2013/1/2/42، الذي أكد أن «لا متعة في كل فراق تختاره المرأة»(2).
ثالثًا: معايير تقدير المتعة
يراعي القاضي في تقدير مبلغ المتعة العناصر الأربعة الواردة في المادة 84:
- مدة الزواج: كلما طال أمد العلاقة الزوجية ارتفع مبلغ المتعة.
- الوضعية المالية للزوج: يتم التثبت منها عبر الوثائق والرواتب وأحيانًا الخبرة.
- سبب الطلاق: إذا كان التعسف من جانب الزوج يرفع المبلغ.
- مدى التعسف في إيقاع الطلاق: وهو العنصر الأكثر تأثيرًا في الاجتهاد القضائي.
وقد أكدت محكمة النقض أن إغفال هذه العناصر أو الحكم بمبلغ جزافي دون تعليل كافٍ يُعرض القرار للنقض(3).
رابعًا: التعويض في الشقاق
إذا بادرت الزوجة إلى طلب التطليق للشقاق، فإنها تُحرم من المتعة، غير أنّ المحكمة قد تحكم لها بتعويض إذا ثبُت أن الزوج هو المسؤول عن إنهاء العلاقة. غير أنّ قاضي الموضوع ملزم بتحديد المسؤولية قبل الحكم بالتعويض، وإلا كان القرار قابلاً للنقض(4).
خامسًا: إشكالات تطبيقية
- الجمع بين المتعة والتعويض: الاتجاه القضائي الغالب يمنع الجمع بينهما، لأن لكل منهما طبيعة خاصة، وقد نقضت محكمة النقض قرارات منحت متعة في غير محلها.
- مسؤولية الزوجة في الشقاق: إذا ثبُتت مسؤوليتها، فإنها لا تستحق لا متعة ولا تعويضًا.
يتضح أن القضاء المغربي قد استقر على ضوابط واضحة:
- المتعة تُستحق فقط عند الطلاق أو التطليق بطلب الزوج.
- عند الشقاق بطلب الزوجة، لا متعة وإنما تعويض إذا ثبتت مسؤولية الزوج.
- معايير تقدير المتعة محددة بالمادة 84، ويخضع القاضي لرقابة محكمة النقض في احترامها.
وبذلك يكون القضاء قد وحّد التوجه، مانعًا الخلط بين المتعة والتعويض، ومحققًا التوازن بين غاية جبر الضرر ومنع التعسف في استعمال الحق.
=======================================================
لائحة المراجع :
- قرار محكمة النقض، عدد 433، بتاريخ 21/09/2010، ملف شرعي عدد 2009/1/2/623، منشور بمجلة قضاء المجلس الأعلى، عدد 82، ص 173.
- قرار محكمة النقض، عدد 239، بتاريخ 25/03/2014، ملف شرعي عدد 2013/1/2/42، غير منشور (مأخوذ عن اجتهادات منشورة على مواقع قانونية مغربية).
- المادة 84 من مدونة الأسرة، ظهير شريف رقم 1.04.22 صادر في 3 فبراير 2004 بتنفيذ القانون رقم 70.03 بمثابة مدونة الأسرة، الجريدة الرسمية عدد 5184 بتاريخ 5 فبراير 2004.
- قرار محكمة النقض، عدد 239، مرجع سابق؛ وانظر أيضًا: قرار عدد 433، مرجع سابق.