
النَّسَب في مدوّنة الأسرة المغربيّة بين النص والاجتهاد القضائي
الاستاذ رشيد صديقي محام بهيئة المحامين بمراكش
يمثّل النَّسَب في مدونة الأسرة لحمةً شرعيةً تُرتِّب آثارًا شخصيّة وماليّة بالغة الأهمية (النفقة، الإرث، الاسم، الحالة المدنية) وقد أرسى المشرّع إطارًا مرنًا في الإثبات، جَمَعَ بين الوسائل الشرعية والوسائل العلمية الحديثة، ثم تولّى القضاء—وخاصةً محكمة النقض—تفصيل الشروط والحدود بما يوازن مصلحة الطفل واستقرار الأنساب وحماية النظام العام الأسري.
أحكام النسب في مدونة الاسرة والعمل القضائي؟
أولًا: التأطير القانوني للنَّسَب ووسائل إثباته
عرّفت المدونة أسباب لحوق النسب في ثلاثة: الفِراش، الإقرار، والشُّبهة (م. 152)، وقرّرت أن النسب يُثبت بالظن ولا ينتفي إلا بحكم قضائي (م. 151)؛ كما نصّت على وسائل الإثبات: الفراش، الإقرار، شهادة العدلين، بينة السماع، وجميع الوسائل الأخرى بما فيها الخبرة القضائية (م. 158) وأكدت أن الفراش حجةٌ قاطعة لا يُطعن فيها إلا من الزوج بطريق اللِّعان أو بخبرةٍ قاطعة وبأمرٍ قضائي مع دلائل قوية (م. 153) كما عالجت المدونة النسب الناتج عن الشبهة (م. 155) وعن الخطبة بشروطها (م. 156)، ورتبت آثار القرابة متى ثبت النسب ولو في زواجٍ فاسد أو شبهة (م. 157)، ونظّمت الإقرار بالاستلحاق وشروطه (م. 160–162).
1الفِراش وضوابطه
يثبت نسب المولود بفراش الزوجية إذا وُلد لستة أشهر من تاريخ العقد—صحيحًا كان أو فاسدًا—أو خلال سنة من تاريخ الفراق (م. 154). وبحكم قطعية الفراش، لا يقبل الطعن فيه إلا وفق مسطرة محدّدة (لعان أو خبرة قاطعة بأمر قضائي مع دلائل قوية) (م. 153).
وقد شدّدت محكمة النقض على لزوم استجابة محاكم الموضوع لطلب الخبرة الجينية عند تقديم دلائل قوية من الزوج الطاعن في النسب—وإلا عدّ ذلك خرقًا للمادة 153 ونقضًا للحكم
2النسب الناتج عن الشبهة والخطبة
يُلحَق النسب بالمتصِل شبهةً إذا ولد الطفل بين أقل وأكثر مدة الحمل (م. 155) وخصّت المدونة حالة الحمل أثناء الخطبة بشرط اشتهارها وتحقّق الحمل خلالها وإقرار الطرفين بأن الحمل منهما، وتُعايَن هذه الشروط بمقرر قضائي غير قابل للطعن (م. 156).
وقد رسّخ قضاء النقض أن عدم ثبوت الخطبة بشروطها يحول دون إلحاق النسب بالخاطب، ولا مجال لإجراء الخبرة الجينية حينئذٍ، لأن العلاقة تُعدّ فسادًا لا يُرتّب لحوق النسب للأب—مع وجود قرابة بيولوجية بحسب الخبرة.
3الإقرار الاستلحاق
يُثبت النسب بإقرار الأب بالبنوّة ولو في مرض الموت شريطة ألا يكون الولد معلوم النسب وألا يكذّبه عقلًا أو عادة، وأن يوافق المستلحَق الرشيد (م. 160–162). وكرّست محكمة النقض حديثًا حجّية الإقرار وآثاره في قرارها رقم 284 بتاريخ 20 يونيو 2023 (ملف شرعي رقم 2022/2/2/639)، مؤكدةً أن الإقرار يُثبت به النسب من غير حاجة لبيان سببه متى استجمع شروطه.
4شهادة السماع والبينات الشرعية
ما زالت بينة السماع—وهي السماع الفاشي بين الناس—وسيلةً معتبرة لإثبات النسب بشرط استجماع ضوابطها الفقهية، وقد دأب القضاء على قبولها معزَّزةً بقرائن أو خبراتٍ عند الاقتضاء. (
5الخبرة الجينية -البصمة الوراثية
نصّت المادة 158 صراحةً على الخبرة القضائية ضمن وسائل الإثبات، واستقر اتجاه محكمة النقض على اعتبار الخبرة الجينية دليلًا علميًا قويًا متى وُضِعت في إطارها القانوني ولم تُصادِم قواعد الفراش أو النظام العام الأسري. وقد اعتبرت محكمة النقض والمجالس القضائية—في قرارات حديثة—نتائج الخبرة حُجّةً لا يتسلّل إليها الشك في وقائع معيّنة، بما في ذلك ملفات جنحية ذات صلة بإثبات نسب طفل، مع التأكيد على أنّ البصمة ليست سبيلًا لإلحاق نسب مولودٍ من علاقة غير شرعية بوالده البيولوجي خارج حالات النص (الفراش/الشبهة/الإقرار).
ثانيًا: حدود الخبرة الجينية في ضوء اجتهاد النقض
تظهر حساسية الموازنة بين العِلْم والنظام العام الأسري في مسألتين:
- حالة المولود خارج الزوجية (ولد الزنا): حسمت محكمة النقض، في قرارات متواترة، بعدم لحوق نسب الطفل المولود من علاقة غير شرعية بالأب البيولوجي—ولو أثبتت الخبرة الجينية البنوة—لغياب سببٍ من أسباب النسب (الفراش، الشبهة، الإقرار). ويُستثنى من ذلك ما يتعلّق ببنوة الأم وآثارها؛ إذ جعلت المدونة بنوّة الأم شرعيةً في حالات الزوجية والشبهة والاغتصاب، بينما لا ترتّب البنوة غير الشرعية للأب أي أثرٍ من آثار البنوة الشرعية م146–148.
- حالة الخطبة غير الثابتة أو العلاقة غير المشروعة: قضت محكمة النقض بأن ثبوت الخطبة بشروطها شرطٌ جوهري لإعمال المادة 156؛ فإذا لم يثبت، لا مجال لإجراء الخبرة لإثبات نسبٍ خارج أسباب المدونة، لأن العلاقة تُوصَف بالفساد، والقاعدة «الولد للفراش وللعاهر الحجر». وفي قرار منشور على المنصة الرسمية لقرارات النقض، أكّدت المحكمة أن اللجوء إلى وسائل الإثبات—including DNA—إنما يكون داخل الأطر الشرعية بعد تحقق سبب النسب. (
ثالثًا: نفي النسب بين اللِّعان والخبرة
أجازت المدونة للزوج نفي النسب بطريقين: اللِّعان أو خبرة تفيد القطع، بشرطي تقديم دلائل قوية وصدور أمر قضائي بالخبرة (م. 153، 159). وبيّنت محكمة النقض أن عدم استجابة محكمة الموضوع لطلب الخبرة مع قيام حججٍ قوية يُعدّ خرقًا، كما قرّرت في أحكامٍ أخرى أن عدم حضور أحد الأطراف لإجراء الخبرة لا يُنشئ قرينةً على عدم ثبوت النسب، وأن قاعدة «الولد للفراش» تظلّ أصلًا لا يُناهَض إلا وفق شروط المادة 153.
رابعًا: اتجاهات حديثة في العمل القضائي
- تعزيز حجّية الإقرار: القرار 284/20-06-2023 (ملف 2022/2/2/639) ثبّت أثر الإقرار في لحوق النسب، وهو ما ينسجم مع نصوص الاستلحاق (م. 160–162) ويُيسّر تسوية أوضاع الأطفال مجهولي النسب متى استوفت الشروط.
- قبول الخبرة الجينية كدليل قوي داخل الإطار القانوني: قرارات جنحية ومدنية اعتبرت الخبرة حُجّة علمية قوية لإثبات البنوة عند قيام سبب قانوني أو في سياق طعن الزوج بالفراش وفق المادة 153. بالمقابل، رفض القضاء إعمال الخبرة لإلحاق نسب ناتجٍ عن فساد أو اغتصاب خارج شروط المادة 156، تأكيدًا لقاعدة الأسباب المحدّدة في المدونة.
- حالة الخطبة: أحكام متواترة تشترط اشتهار الخطبة وثبوت الحمل خلالها وإقرار الطرفين؛ وإلا رُفض الطلب—even مع تقرير DNA—لعدم قيام السبب الشرعي. (
خامسًا: تطبيقات عملية مختصرة
- مولود داخل فراشٍ قائم > الأصل لحوق النسب قطعًا؛ لا يُنازَع إلا بطلب الزوج وبخبرةٍ قاطعة مع دلائل قوية وبأمر قضائي. (
- مولود أثناء الخطبة > يشترط مقررٌ قضائي بثبوت الخطبة وشروطها؛ عند الإنكار تُستعمل الوسائل الشرعية كافة—including الخبرة—لكن داخل أطر المادة 156.
- مولود خارج الزواج (فساد/اغتصاب بلا خطبة ثابتة) > لا لحوق نسبٍ للأب البيولوجي ولو أثبتت الخبرة؛ تُرتَّب بنوة الأم وآثارها وفق المواد 146–148. (
- استلحاق بالإقرار > متى استوفى شروط المادة 160 ثبت النسب، ويصبح الولد شرعيًا وتترتب جميع الآثار. (
اتجه المشرّع إلى توسيع وسائل الإثبات حمايةً لمصلحة الطفل، بينما حافظ القضاء—وخاصة محكمة النقض—على صرامة شروط السبب (فراش/شبهة/إقرار) باعتباره المدخلَ الوحيد لإعمال الوسائل العلمية. والنتيجة منظومة توازن بين حجّية الفراش واستقرار الأنساب من جهة، وفاعلية الخبرة الجينية في الحالات التي يُجيزها القانون من جهة أخرى. ويوصي البحثُ بتعميق التقنين الإجرائي لمسائل الخبرة في منازعات النسب (مستويات القطع، إجراءات السحب، ضمانات الخصوصية)، وتوحيد العمل القضائي بمدوّنةٍ لقرارات معيارية تُيسّر على القضاة والمتقاضين.
=====================================================
الإحالات :
- 151–160 من مدونة الأسرة، PDF الرسمي للمجلس الدستوري
- قرار محكمة النقض رقم 284 بتاريخ 20/06/2023، ملف شرعي 2022/2/2/639
- تطبيقات المادة 153: محكمة النقض—خبرة جينية لنفي النسب بشروط—تعليق/عرض قضائي .
- المادة 156 والخطبة؛ شرط الاشتهار وثبوت الحمل وإقرار الطرفين؛ رفض الإلحاق في حالة الفساد.
- اعتبار الخبرة الجينية دليلًا علميًا قويًا ضمن الإطار القانوني—قرارات 2021/6/22 وغيرها.
- مواقع اليكترونية:
- مدونة الأسرة المغربية (النص الرسمي PDF): المواد 142–162 (البنوة والنسب).
- قرار محكمة النقض—نسب/إقرار—رقم 284 بتاريخ 20 يونيو 2023، ملف شرعي 2022/2/2/639. (BibliotDroit)
- محكمة النقض—غرفة الأحوال الشخصية والميراث: خطبة/نسب/خبرة جينية (قرارات مُنتقاة وشروح). (com)
- اجتهادات حول الخبرة الجينية كدليل قوي (قرار 3/1019 بتاريخ 22/06/2021—عرض صحفي قانوني). (ma)
- تطبيقات المادة 153—وجوب الخبرة عند قيام دلائل قوية (نقض وإحالة). (مجلة مغرب القانون)
- منصة قرارات محكمة النقض (Juriscassation)—للبحث في القرارات الحديثة (مرجع منهجي للوصول إلى النصوص الأصلية). (cspj.ma)